فخر الدين الرازي
233
القضاء والقدر
تلك الأحياز مجهولة ، وكمية تلك الآنات مجهولة . فكان الأمر بهذا الفعل ، أمرا بتكوين ما هو مجهول من هذه الوجوه . وذلك تكليف بما ليس في الوسع . لأن القصد إلى تكوين ما هو غير معلوم ، ولا متصور : تكليف بما لا يطاق . فثبت بهذه الوجوه العشرة : أن الذي ألزموه علينا ، فهو لازم عليهم . وهذه المسائل العشرة ، كل ما هو جوابهم عنها ، هو جوابنا عما ألزموه علينا . وأما أصحابنا . فقد أوردوا عليهم إلزامات أخرى : أحدها : أن الذوات عندهم حاصلة في العدم ، فلا يمكن أن يكون للقدر أثر فيها . وأما الصفة صفة الوجود فهي عندهم حال ، والحال لا تكون معلومة ولا مقدورة . وأما الماهية الموجودة فهي ليست إلا الماهية وإلا الوجود . ولما لم يكن واحد منهما صالحا للمقدورية ، لم يكن المجموع أيضا صالحا للمقدورية . فيلزمهم أن يكون التكليف بالفعل ، تكليفا بما لا يطاق . إلا أن هذا الإلزام غير وارد على « أبي الحسين » فإنه ينكر كون المعدوم شيئا . وثانيها : إن عندهم الكائنية معللة بمعنى يوجبها . ثم إن أكثر الخلق لا يتصورون هذا المعنى . والقدرة لا تأثير لها في الكائنية أصلا . إذا ثبت هذا ، فنقول : التكليف إن وقع بتحصيل الكائنية ، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق . لأن العبد لا قدرة له على الكائنية . وإن وقع بتحصيل ذلك الموجب ، فذلك غير متصور الماهية ، عند أكثر الخلق . فكان التكليف بإيجاده تكليفا بتحصيل ما لا تكون ماهيته متصورة عند الذهن . وذلك تكليف بما لا يطاق . لأن إيجاد الشيء لا يمكن إلا بالقصد إلى تحصيله والقصد إلى تحصيله مشروط بالعلم بماهيته . وعند فقدان هذا العلم يكون هذا تكليفا بما لا يطاق . إلا أن هذا الإلزام غير وارد على « أبي الحسين » لأنه لا يثبت هذا المعنى . واللّه أعلم . وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها من وجهين : الأول : إنا بينا بالدلائل العشرة : أنه تعالى كلف بما لا يطاق . وذلك يبطل قولهم : أنه تعالى لا يفعل ذلك . والثاني : إنه بناء على الحسن والقبح العقليين . وذلك باطل على ما سيأتي تقريره إن شاء اللّه « 1 » .
--> ( 1 ) مسألة الحسن والقبح العقليين عالجها الرازي في « المطالب العالية » - الكتاب نفسه - في الجزء الثالث ص 289 وما بعدها . قال : « أطبقت المعتزلة والكرامية على إثبات تحسين العقل وتقبيحه . وأطبقت الفلاسفة والجبرية على إنكار . والمختار عندنا أن تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى العباد معتبر وأما إلى اللّه تعالى فهو باطل . . » ثم أخذ في سرد حججه وأدلته في ذلك . . ولم يتعرض لهذه المسألة تفصيلا في هذا الجزء فلعله قد كتبه قبله أو كان مرتبا على غير هذا الترتيب ! .